ابن قيم الجوزية
480
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
و « الشكر » مبني على خمس قواعد : خضوع الشاكر للمشكور . وحبه له ، واعترافه بنعمته ، وثناؤه عليه بها ، وأن لا يستعملها فيما يكره . فهذه الخمس : هي أساس الشكر ، وبناؤه عليها ، فمتى عدم منها واحدة : اختل من قواعد الشكر قاعدة . وكل من تكلم في الشكر وحدّه ، فكلامه إليها يرجع . وعليها يدور . فقيل : حده الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع . وقيل : الثناء على المحسن بذكر إحسانه . وقيل : هو عكوف القلب على محبة المنعم ، والجوارح على طاعته ، وجريان اللسان بذكره ، والثناء عليه . وقيل : هو مشاهدة المنة ، وحفظ الحرمة . وما ألطف ما قال حمدون القصار : شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا . وقال أبو عثمان : الشكر معرفة العجز عن الشكر . وقيل : الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له . وقال الجنيد : الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة . هذا معنى قول حمدون « أن يرى نفسه فيها طفيليا » . وقال رويم : الشكر استفراغ الطاقة . وقال الشبلي : الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة . قلت : يحتمل كلامه أمرين : أحدهما : أن يفنى برؤية المنعم عن رؤية نعمه . والثاني : أن لا تحجبه رؤية نعمه ومشاهدتها عن رؤية المنعم بها . وهذا أكمل . والأول أقوى عندهم . والكمال : أن تشهد النعمة والمنعم . لأن شكره بحسب شهود النعمة . فكلما كان أتم كان الشكر أكمل . واللّه يحب من عبده : أن يشهد نعمه ، ويعترف له بها ، ويثني عليه بها ، ويحبه عليها ، لا أن يفنى عنها ، ويغيب عن شهودها . وقيل : الشكر قيد النعم الموجودة ، وصيد النعم المفقودة . وشكر العامة : على المطعم والمشرب والملبس ، وقوت الأبدان . وشكر الخاصة : على التوحيد والإيمان وقوت القلوب . وقال داود عليه السلام : يا رب ، كيف أشكرك ؟ وشكري لك نعمة عليّ من عندك تستوجب بها شكرا ، فقال : الآن شكرتني يا داود . وفي أثر آخر إسرائيلي : أن موسى عليه السلام قال : « يا رب ، خلقت آدم بيدك ، ونفخت فيه من روحك ، وأسجدت له ملائكتك ، وعلمته أسماء كل شيء ، وفعلت وفعلت ، فكيف أطاق شكرك ؟ قال اللّه عزّ وجلّ : علم أن ذلك مني ، فكانت معرفته بذلك شكرا لي » .